ابن تيمية

8

مجموعة الفتاوى

وَكَذَلِكَ مَا فَعَلَهُ الْكَافِرُ مِن الْمُحَرَّمَاتِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الَّتِي يَسْتَحِلُّهَا فِي دِينِهِ : كَالْعُقُودِ والقبوض الْفَاسِدَةِ ، كَعَقْدِ الرِّبَا ، وَالْمَيْسِرِ ، وَبَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ، وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ ، وَقَبْضِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ ، وَالِاسْتِيلَاءِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمُحَرَّمَ يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِالْإِسْلَامِ ، وَيَبْقَى فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يُحَرَّمْ ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَغْفِرُ لَهُ بِهِ تَحْرِيمَ ذَلِكَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ ، فَيَصِيرُ الْفِعْلُ فِي حَقِّهِ عَفْواً بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَقَدَ عَقْداً أَوْ قَبَضَ قَبْضاً غَيْرَ مُحَرَّمٍ ، فَيَجْرِي فِي حَقِّهِ مَجْرَى الصَّحِيحِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَلِهَذَا مَا تَقَابَضُوا فِيهِ مِن الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ أُقِرُّوا عَلَى مُلْكِهِ إذَا أَسْلَمُوا أَوْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا . وَكَذَلِكَ عُقُودُ النِّكَاحِ الَّتِي انْقَضَى سَبَبُ فَسَادِهَا قَبْلَ الْحُكْمِ ، وَالْإِسْلَامِ ؛ بِخِلَافِ مَا لَمْ يتقابضوه ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَنْ يَقْبِضُوا قَبْضاً مُحَرَّماً كَمَا كَانَ لَا يَعْقِدُونَ عَقْداً مُحَرَّماً ، وَهَذَا مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ . لِقَوْلِهِ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فَأَمَرَهُمْ بِتَرْكِ مَا بَقِيَ فِي الذِّمَمِ مِن الرِّبَا ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِرَدِّ الْمَقْبُوضِ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ } وَقَالَ : { وَأَيُّمَا قَسَمٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ ، وَأَيُّمَا قَسَمٍ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ فَهُوَ عَلَى قَسَمِ الْإِسْلَامِ } وَأَقَرَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى مناكحهم الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، مَعَ أَنَّ كَثِيراً مِنْهَا كَانَ غَيْرَ مُبَاحٍ فِي الْإِسْلَامِ ،